عبد الوهاب الشعراني
307
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
شفع سيدي الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي اللّه عنه في يوم مائة شفاعة عند السلطان وهو يرد ولا يقبل ، فلما رجع مرة أخرى بعد المائة عرض عليه السلطان دراهم فردها ، وأشار إلى مدورات حجارة كانت بين يدي السلطان فصارت ذهبا ، فاستغفر السلطان من مخالفة الشيخ ورسم بقضاء جميع الحوائج التي يسأل فيها كلها . وذكر الشيخ محيي الدين بن العربي رضي اللّه عنه في « الفتوحات المكية » أنه دخل على الملك الظاهر بيبرس يشفع في وزير من وزرائه كان تغير عليه وأمر بصلبه ، فقال له السلطان لا أقبل لك فيه شفاعة وذكر عنه أمورا يستحق بها القتل ، فقال له الشيخ يا مولانا السلطان أنا من جملة رعيتك وأستحي من اللّه أن تضيق دائرة حلمي وصفحي على واحد من الناس فكيف بدائرة حلم مولانا السلطان ؟ قال الشيخ : فقبل شفاعتي فيه وقضيت عنده في ذلك المجلس مائة حاجة وثماني عشرة حاجة ، فمثل هؤلاء يا أخي هم الذين لا يخاف عليهم من الدخول على الملوك والأمراء والظلمة ، وأما محب الدنيا الذي يستمطر من الظلمة هدية أو حسنة فيخاف عليه من هلاك دينه : وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ . وسيأتي في عهود المناهي حديث الإمام أحمد مرفوعا : « من تبع الصّيد غفل ، ومن أتى أبواب السّلطان افتتن ، وما ازداد عبد من السّلطان قربا إلّا ازداد من اللّه بعدا » ا ه . وهو محمول على من دخل إليهم وهو راغب في دنياهم . وفي رواية للإمام أحمد وغيره مرفوعا : « يكون بعدي أمراء يغشاهم غواش وحواش من النّاس ، يكذبون ويظلمون ، فمن دخل عليهم فصدّقهم بكذبهم ، وأعانهم على ظلمهم فليس منّي ولست منه ، ومن لم يدخل عليهم ولم يصدّقهم بكذبهم ، ولم يعنهم على ظلمهم ، فهو منّي وأنا منه » . وروى ابن ماجة مرفوعا ورواته ثقات : « سيتفقّه أناس من أمّتي في الدّين ، ويقرؤون القرآن ، ويقولون نأتي الأمراء فنصيب من دنياهم ونعتزلهم بديننا ولا يكون ذلك ، كما لا يجتنى من القتاد إلّا الشّوك كذلك لا يجتنى من قربهم » . قال ابن الصلاح كأنه يعني الخطايا والأحاديث في ذلك كثيرة وسيأتي غالبها في عهود المناهي واللّه تعالى أعلم . [ الحث على الشفقة على جميع خلق اللّه تعالى : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن نشفق على جميع خلق اللّه تعالى من مؤمن وكافر بطريقه الشرعي كل بما يناسبه من الرحمة ، لكن لا نبالغ في الرحمة كل المبالغة بحيث نرحم الشاة فلا نذبحها مثلا لأن للرحمة حدا لا نتعداه ، فقد سمى الحق تعالى نفسه أرحم الراحمين وأمرنا بذبح الحيوانات فنذبحها مع رقة القلب ، ونضرب من شرد عن طريق الاستقامة من رعية وعبد وولد وبهيمة رحمة به على وجه التأديب لا التشفي للنفس ونكون أرحم به من نفسه وراثة محمدية ، وقد تحققنا بذلك وللّه الحمد ،